٥٦٩٠
- حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة
﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قال:
نسختها هذه الآية ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩]
(6).
وقال
الآخرون تأويلها ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إن
حكمت، فلما اختلف في تأويل هذه الآية، وكانت الآثار قد دلت على ما ذكرنا
ثبت أن الحكم عليهم على إمام المسلمين ولم يكن له تركه، لأن في حكمه النجاة
في قول جميعهم، لأن من يقول: عليه أن يحكم، يقول: قد فعل ما هو عليه أن
يفعله.
ومن يقول: هو مخير، يقول: قد فعل ما له أن يفعله، وإذا ترك الحكم
فمن يقول: عليه أن يحكم، يقول: قد ترك ما كان عليه أن يفعله، ومن يقول له
أن لا يحكم، يقول: قد ترك ما كان له تركه فإذا حكم شهد له الفريقان جميعا
بالنجاة، وإذا لم يحكم لم يشهدا له بذلك.
فأولى الأشياء به أن يفعل ما فيه النجاة بالاتفاق دون ما فيه ضد النجاة بالاختلاف.
وهذا الذي ذكرناه من وجوب الحكم عليهم قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى.
فإن قال قائل: فأنتم لا ترجمون اليهود إذا زنوا، فقد تركتم بعض ما في الحديث الذي به احتججتم.
قيل له: إن الحكم كان في الزناة في عهد موسى ﵇ هو الرجم على المحصن وغير المحصن.
وكذلك
كان جواب اليهودي الذي سأله رسول الله ﷺ عن حد الزنا في كتابهم، فلم ينكر
ذلك عليه رسول الله ﷺ فكان على النبي ﷺ اتباع ذلك والعمل به، لأن على كل
نبي اتباع شريعة النبي الذي كان قبله حتى يحدث الله له شريعةً تنسخ شريعته،
قال الله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ
اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فرجم رسول الله ﷺ اليهوديين
(7) على ذلك الحكم، ولا فرق حينئذ في ذلك بين المحصن وغير المحصن.
ثم
أحدث الله ﷿ لنبيه ﷺ الشريعة نسخت هذه الشريعة، فقال: ﴿وَاللَّاتِي
يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ
أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ
حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾
[النساء: ١٥] فكان هذا ناسخًا لما كان قبله، ولم يفرق في ذلك أيضا بين
المحصن وغير المحصن.
ثم نسخ الله تعالى ذلك الحد، فجعل الحد هو الأذى بالآية التي بعدها، ولم يفرق في ذلك أيضًا بين المحصن وغير المحصن.
ثم
جعل الله لهن سبيلا، فقال رسول الله ﷺ: "خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا
البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
ففرق حينئذ بين حد المحصن وغير المحصن فجعل حد المحصن الرجم، وحد غير المحصن الجلد، ثم اختلف الناس من بعده في الإحصان، فقال قوم
(8): لا يكون الرجل محصنًا بامرأته، ولا المرأة محصنة بزوجها حتى يكونا حرين مسلمين بالغين قد جامعها وهما بالغان في نكاح صحيح.
وممن قال بذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى.
وقال آخرون
(9):
يحصن أهل الكتاب بعضُهم بعضًا، ويحصن المسلم النصرانية ولا تحصن النصرانية
المسلم، وقد كان أبو يوسف قال بهذا القول في الإملاء فيما حدثني به سليمان
بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف ﵀.
فاحتمل قول رسول الله ﷺ: "الثيب بالثيب الرجم" أن يكون هذا على كل ثيب،
واحتمل أن يكون على خاص من الثيب.
فنظرنا
في ذلك، فوجدناهم مجمعين أن العبيد غير داخلين في ذلك، وأن العبد لا يكون
محصنًا، ثيبًا كان أو بكرا، ولا يحصن زوجته، حرةً كانت أو أمةً.
وكذلك الأمة لا تكون محصنةً بزوجها، حرا كان أو عبدًا، ولا تحصن زوجها حرا كان أو عبدا.
فثبت
بما ذكرنا أن قول النبي ﷺ: "الثيب بالثيب الرجم" إنما وقع على خاص من
الثيب، لا على كل الثيب فلم يدخل فيها قد أجمعوا أنه وقع على خاص إلا ما قد
أجمعوا أنه فيه داخل.
وقد أجمعوا أن الحرين المسلمين البالغين الزوجين اللذين قد كان منها جماع محصنين واختلفوا فيمن سواهما.
فقد أحاط علمنا أن ذلك قد دخل في قول رسول الله ﷺ: "الثيب بالثيب الرجم". فأدخلناه فيه، ولم يحط علمنا بما سوى ذلك، فأخرجناه منه.
وقد
كان يجيء في القياس لما كانت الأمة لا تحصن الحر، ولا يحصنها الحر، وكانت
هي في عدم إحصانها إياه كهو في عدم إحصانه إياها أن تكون كذلك النصرانية
لما كانت هي لا تحصن زوجها المسلم كان هو أيضًا كذلك لا يحصنها.
وقد رأينا الأمة أيضًا لما بطل أن تكون تحصن الحر، بطل أن تكون تحصن العبد،
فكذلك
يجيء في النظر أيضا أن تكون النصرانية لما بطل أن تحصن المسلم، بطل أن
تحصن الكافر قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا والله تعالى أعلم.